أيها الذائبون في حب الل
🕒 2022-06-17 - 00:00:00
الحج هو القصد ، فمن قصد الله في أيامه بقلبه وعقله وروحه كتب من حجاج بيتهالحرام ، ومن طاف بفكره وخياله حول بيته الحرام داعياً راجياً مبتهلاً له كان مع حجاج الله في طوافهم وسعيهم وسائر مناسكهم واللحاق بضيوف الرحمن متاحاً لمن لم يوفَّق للتواجد في ديار الوحي، فما الجدوى من أمنيتين طالما استبدّتا بالقلب على أعتاب الدعاء عموماً، وفي ضيافة الله في شهر رمضانخصوصاً:
أولاهما: أن ترزقني حجّ بيتك الحرام.
والثانية: أن تكتبني من حجّاج بيتك الحرام.
وهل الدين إلّا الحب؟
وهل الحجّ إلّا القصد؟
فما ظنّك بقصدٍ لا يخفق بالحبّ منه نبض؟
أيّ حجٍّ هذا الذي ينشغل فيه القلب بغير المحبوب الذي لا محبوب سواه عزّ وجلّ؟
وأيّ دين هذا الدين الذي لا يعمر الحبّ كلّ همساته؟
مَن أحبّ عمل قوم حشر معهم، ومن كان قلبه والهاً متقطعاً منكسراً مشتاقاً لحج بيت اللهالحرام كتب من حجاجه ، وإن لم يستطع إليه سبيلاً..
ومن كان حاجاً بجسده وجسده منفصلٌ عن روحه ، فروحه متعلقة بالدنيا وأمورها وعقله مشغول مشتت ، فهو مصداق لقوله عليه السلام ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج وإن لبّى واعتمر وحج، وأشهد على قلبه المناسك أجمع.
من غادر بيته متوجها لله وقلبه مستغرق في حبه ، ذائبٌ في هواه كيف لا يحبه الله وكيفلا يدنيه منه وكيف لا يتقبل منه تلبياته وتهليلاته وتضرعه ودموعه ، ومن قصد الترويح عن نفسه والتنزه والرفقة ولم يقصد الله في حجه فعمله مجرد تعب ومشقة لا يؤدي الهدفالمنشود منه.
وأنتم أيها الوالهون لتلك البقاع .. أيها الذائبون في حب الله ... أيها المتحسرون على بقاعه الطاهرة .. أيها المتقطعون شوقاً للمشاعر والمناسك والتلبيات .. أيها الراغبون صدقاً في مناجاة الله في مكة ومنى وعرفات والمزدلفة ... أيها المولعون بحب الحجرالأسود والمقام والحطيم والسعي بين الصفا والمروة ... أيها الباكون من فراقه .. أيها المنتحبون على بعادكم عن جواره ... أتظنون أنكم لستم من حجاجه .. أتظنون أن الله لاينظر إلى قلوبكم المشتاقة ؟
أتظنون أن رمال عرفات ونسماتها لا تلبي عنكم ؟
أتظنون أن حصيات منى لا ترمى بدلاً منكم ؟
أتظنون أن الله لا يستجيب دعاءكم ولا ينظر إليكم نظرة رحمة ومغفرة ورضوان ولو كنتم في دياركم؟
وعن الإمام الباقر عليه السلام: «ما يقف أحدٌ على تلك الجبال برٌّ ولا فاجرٌّ إلّا استجاب الله له، فأمّا البرّ فيُستجاب له في آخرته ودنياه، وأمّا الفاجر فيُستجاب له في دنياه».
ولا يقتصر الأمر في شمول الرحمة على الحاضرين، بل يمتد منهم إلى غيرهم:
قال الصادق عليه السلام: «ما من رجلٍ من أهل كورة وقف بعرفة من المؤمنين، إلّا غفر اللهلأهل تلك الكورة من المؤمنين، وما من رجلٍ وقف بعرفة من أهل بيت من المؤمنين إلّا غفر الله لأهل ذلك البيت من المؤمنين».
لذلك كان أشدّ الناس جرماً مَن يقنط من رحمة الله تعالى في يوم عرفة:
وأعظم الناس جرماً من أهل عرفات الذي ينصرف من عرفات وهو يظنّ أنه لم يغفر له،يعني الذي يقنط من رحمة الله عزّ وجلّ
وأختم هنا ببشارة لمن تكرّر حجّه ثمّ لم يوفق في بعض الأعوام للحجّ:
*قال الصادق عليه السلام: «إذا كان عشيّة عرفة بعثَ الله عزّ وجلّ ملكَين يتصفحّان وجوهالناس، فإذا فقدا رجلاً قد عوَّد نفسَه الحج، قال أحدهما لصاحبه: يا فلان ما فعل فلان؟
قال: فيقول: الله أعلم، فيقول أحدهما: اللّهمّ إن كان حبَسَه عن الحجّ فقرٌ فأغنه، وإن كانحبَسَه دَينٌ فاقضِ عنه دَينه، وإن كان حبَسَه مرضٌ فاشفِه، وإنْ كان حبَسَه موتٌ فاغفر له وارحمه».
سماحة السيد نبيل الستري